كتب أحمد سعداوي في تقرير نشره موقع المنصة أن السعودية طلبت، بعد يوم واحد من زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقائه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، دعمًا دفاعيًا من مصر ودول أخرى لمواجهة تصاعد هجمات جماعة أنصار الله بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وفقًا لما أوردته وكالة أسوشيتد برس. وتزامن ذلك مع إعلان قيادة قوات حرس الحدود المصرية استمرار العمليات المشتركة مع السعودية لتأمين خليج العقبة وجنوب البحر الأحمر.


ويضع الطلب القاهرة أمام موقف دقيق. ولم تعطِ مصر أي مؤشرات على اعتزامها الانخراط مباشرة في الحرب اليمنية، كما لم يصدر إعلان رسمي بشأن نشر قوات أو منظومات دفاع جوي مصرية في السعودية. لكن مع اقتراب الصراع من مضيق باب المندب، يتعين على القاهرة الموازنة بين دعم الرياض وحماية مصالحها الخاصة في البحر الأحمر، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع أنصار الله.


وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، لأن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يشكلان البوابة الجنوبية لقناة السويس. وفي الوقت نفسه، يزيد عدم الاستقرار في مضيق هرمز وتعطل طرق أخرى لصادرات النفط السعودية الضغط على المملكة، ما يعزز أهمية تأمين الطرق البديلة عبر البحر الأحمر.


وأشارت وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته الأربعاء، إلى أن مسؤولين إقليميين أفادوا بأن السعودية تواجه نقصًا في صواريخ الاعتراض. ووفقًا للتقرير، طلبت المملكة من مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان نشر دعم للدفاع الجوي في المنطقة لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها جماعة أنصار الله.


وجاء الطلب في أعقاب استنزاف مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض، بعدما استُهلك جزء منه خلال الحرب مع إيران، في وقت تعتمد فيه السعودية بدرجة كبيرة على واشنطن للحصول على الأسلحة والدعم العسكري.


ولم يؤكد تقرير أسوشيتد برس قبول مصر الطلب السعودي، كما لا توجد مؤشرات علنية على أن أيًا من الدول التي توجهت إليها الرياض قدمت الدعم العسكري المطلوب. لكن التقرير يضع زيارة بن سلمان للقاهرة في سياق أوسع، تسعى فيه الرياض إلى إيجاد بدائل للدعم العسكري الأمريكي، بالتزامن مع تعرضها لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وعدم وضوح مدى استعداد واشنطن للتدخل عسكريًا دفاعًا عنها.

 


تنسيق مصري سعودي مستمر في البحر الأحمر

 

بعد يوم من زيارة بن سلمان للقاهرة، قال قائد قوات حرس الحدود المصرية اللواء أسامة عبد الحميد داوود إن مصر تواصل التنسيق بصورة مستمرة مع السعودية لتأمين الحدود المشتركة وخليج العقبة وجنوب البحر الأحمر.


وقال داوود، في تصريحات لقناة العربية، إن التنسيق يشمل عقد اجتماعات دورية وتبادل المعلومات، مشيرًا إلى أن الجانبين يبحثان الإجراءات الأمنية بالتزامن مع تطورات الأوضاع الإقليمية.



ولا يعني هذا التصريح بالضرورة أن مصر بدأت التحرك لدعم السعودية ضد أنصار الله، وفق ما قاله اللواء نصر سالم، أستاذ العلوم الاستراتيجية في أكاديمية ناصر العسكرية العليا، لموقع المنصة.


وأوضح سالم أن التنسيق المصري السعودي في خليج العقبة والبحر الأحمر يمثل إجراءً اعتياديًا، إذ تنسق الدول المتجاورة بصورة منتظمة لتأمين حدودها ومياهها والمناطق الحيوية فيها، ومنع التهديدات العابرة للحدود. لذلك، لا يرتبط هذا التنسيق بالضرورة بزيارة بن سلمان أو بالتصعيد الحالي.


لكن توقيت التصريحات يكتسب أهمية في ظل اقتراب القتال من الممرات البحرية التي تشكل جزءًا من المجال الحيوي لكل من مصر والسعودية.


 

باب المندب في قلب الحسابات المصرية

 

يتزايد الضغط على السعودية بالتزامن مع توسع سيطرة أنصار الله على مناطق استراتيجية تطل على مضيق باب المندب وجزر كانت خاضعة سابقًا لنفوذ سعودي، بينما تواصل المملكة مواجهة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.


ونقلت رويترز عن مصادر إقليمية أن هذا التقدم دفع الرياض إلى طلب المساعدة من مصر، رغم عدم وجود التزام مصري مؤكد بتقديم دعم عسكري.


وتكتسب هذه التطورات أهمية بالنسبة إلى مصر حتى في غياب أي مشاركة مباشرة في الحرب اليمنية. فأي تدهور في أمن البحر الأحمر يؤثر في طرق الملاحة المؤدية إلى قناة السويس، التي تضررت بشدة خلال السنوات الأخيرة نتيجة الضربات المتبادلة بين أنصار الله والجيش الإسرائيلي.


ويعد باب المندب أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط والتجارة، وقد يؤدي أي اضطراب إضافي فيه إلى زيادة الضغوط على حركة الملاحة في البحر الأحمر. ويأتي ذلك في وقت أدى فيه عدم الاستقرار في مضيق هرمز إلى زيادة أهمية الطرق البديلة أمام صادرات النفط السعودية.


وتواجه السعودية بذلك ضغوطًا على أكثر من جبهة؛ إذ يشهد مضيق هرمز اضطرابًا شرقًا، بينما يتعرض باب المندب للضغط جنوبًا. كما تعرض خط أنابيب الشرق والغرب لهجوم أدى إلى تعطيل عملياته، ما حدّ من قدرة المملكة على الاعتماد على طرق بديلة لتصدير النفط.

 

 

ماذا تستطيع القاهرة أن تقدم؟

 

قال سالم إن أي طلب سعودي للمساعدة سيخضع للدراسة من جانب المؤسسات المصرية المعنية، على أن تحدد هذه الدراسة طبيعة التهديد والمخاطر المرتبطة به والقدرات المطلوبة، قبل أن تقرر مصر شكل المساعدة التي يمكنها تقديمها.


وأضاف أن على مصر ألا تستبق هذه العملية بإعلان استجابة عسكرية محددة، مشيرًا إلى ضرورة التعامل مع التهديدات أولًا عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية وغيرها من الوسائل السلمية، قبل اللجوء إلى القدرات العسكرية.


وأوضح سالم أن القاهرة لا تتردد في دعم أي دولة عربية عندما تطلب المساعدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. وأكد أن الخطوة الأولى تتمثل في تحديد طبيعة التهديد ومعرفة ما تستطيع مصر تقديمه دون تجاوز قدراتها أو مصالحها.


وبذلك، تمتلك القاهرة خيارات تتجاوز نشر منظومات دفاع جوي أو قوات في السعودية. وقد تشمل أشكال الدعم الممكنة تبادل المعلومات والاستخبارات، وتوسيع نطاق التنسيق الأمني، وحماية المجال البحري المصري ومداخل البحر الأحمر، ودعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوتر.


وذكر تقرير أسوشيتد برس أن مصر وسلطنة عُمان تقودان جهودًا دبلوماسية لخفض التصعيد في اليمن، بينما تسعى السعودية إلى حشد حلفائها في مواجهة أنصار الله.

 

 

بين الوساطة والانخراط العسكري

 

تبدو المعادلة أمام القاهرة أكثر تعقيدًا من الاختيار الثنائي بين التدخل العسكري وعدم الانخراط الكامل.


فمن ناحية، يرتبط أمن البحر الأحمر وباب المندب ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي المصري، خصوصًا عبر الصلة المباشرة بقناة السويس. ومن ناحية أخرى، يحمل الانخراط العسكري المباشر في الصراع اليمني مخاطر وتكاليف تختلف جذريًا عن الدفاع المعتاد عن الحدود والمياه الإقليمية.


ولهذا السبب، يتوقع سالم أن تبدأ مصر بتحديد طبيعة التهديد بدقة وتقييم الأدوات المتاحة للتعامل معه، مع التأكيد على أن المسارات السياسية والدبلوماسية تظل خط الاستجابة الأول قبل اتخاذ أي قرار باستخدام القوة العسكرية.


وقال إن الهدف ينبغي أن يتمثل في منع تحول الصراع إلى حرب عربية أوسع، مضيفًا أن أي مواجهة بين أطراف عربية تؤدي في النهاية إلى خسائر للأطراف المشاركة فيها.


ويعتبر سالم باب المندب والبحر الأحمر جزءًا من المجال الحيوي لمصر، وقال إن القاهرة لن تقبل بوجود تهديد لأمنها القومي أو للأمن القومي العربي في المنطقة. كما أشار إلى أن اتفاق السيسي وبن سلمان بشأن التعاون المشترك يتيح مجالًا أمام مشاركة مصرية، سواء عبر الوساطة أو، عند الضرورة، من خلال تقديم دعم عسكري.


لكن شكل هذا الدور وحجمه لا يزالان غير واضحين؛ حيث تسعى الرياض إلى الحصول على صواريخ اعتراض وشركاء لحماية مدنها ومنشآتها النفطية، بينما تتحرك واشنطن عبر مسار دبلوماسي لتجنب حرب جديدة. أما بالنسبة إلى القاهرة، فتتمثل المعضلة في حماية البحر الأحمر ومصالحها الخاصة، ودعم السعودية، واستخدام أدواتها السياسية والأمنية لاحتواء التصعيد دون التحول إلى طرف مباشر في الصراع.

 

 

https://almanassa.com/en/news/33973